ابن قيم الجوزية

103

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

يتسع شهوده لهذه الأمور الأربعة فليس من خاصة أولياء اللّه العارفين . بل إن انصرف شهوده عنها مع اعترافه بها فهو مؤمن ناقص . وإن جحدها - أو شيئا منها - فكفر صريح أو بتأويل ، مثل أن يجحد تفرقة الأمر والنهي ، أو جمع القضاء والقدر ، أو كثرة معاني الأسماء والصفات ووحدة الذات . فليتدبر اللبيب السالك هذا الموضع حق التدبر ، وليعرف قدره . فإنه مجامع طرق العالمين . وأصل تفرقتهم . قد ضبطت لك معاقده ، وأحكمت لك قواعده وباللّه التوفيق . وإنما يعرف قدر هذا من اجتاز القفار ، واقتحم البحار . وعرض له ما يعرض لسالك القفر ، وراكب البحر . ومن لم يسافر ولم يخرج عن وطن طبعه ومرباه ، وما ألف عليه أصحابه وأهل زمانه ، فهو بمعزل عن هذا . فإن عرف قدره ، وكفى الناس شره ، فهذا يرجى له السلامة . وإن عدا طوره ، وأنكر ما لم يعرفه ، وكذب بما لم يحط به علما ، ثم تجاوز إلى تكفير من خالفه ، ولم يقلد شيوخه ، ويرضى بما رضي هو به لنفسه . فذلك الظالم الجاهل ، الذي ما ضر إلا نفسه ، ولا أضاع إلا حظه . ما يعرض للسالك على طريق الفناء ويعرض للسالك على درب الفناء معاطب ومهالك ، لا ينجيه منها إلا بصيرة العلم ، التي إن صحبته في سيره ، وإلا فبسبيل من هلك . منها : أنه إذا اقتحم عقبة الفناء ظن أن صاحبها قد سقط عنه الأمر والنهي ، لتشويشه على الفناء ونقضه له . والفناء عنده غاية العارفين ، ونهاية التوحيد . فيرى ترك كل ما أبطله وأزاله ، من أمر ونهي أو غيرهما . ويصرح بعضهم بأنه إنما يسقط الأمر والنهي عمن شهد الإرادة . وأما من لم يشهدها فالأمر والنهي لا زمان له . ولم يعلم هذا المغرور أن غاية ما معه : الفناء في توحيد أهل الشرك الذي أقروا به ، ولم يكونوا به مسلمين البتة ، كما قال تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ الزّمر : 38 ، ولقمان : 25 ] وقال : قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 84 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 85 ) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( 86 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ ( 87 ) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 88 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ( 89 ) [ المؤمنون : 84 - 89 ] وقال تعالى : وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ( 106 ) [ يوسف : 106 ] قال ابن عباس : « تسألهم : من خلق السماوات والأرض ؟ فيقولون : اللّه . وهم يعبدون غيره » . ومن كان هذا التوحيد والفناء غاية توحيده : انسلخ من دين اللّه ، ومن جميع رسله وكتبه ، إذ لم يتميز عنده ما أمر اللّه به مما نهى عنه . ولم يفرق بين أولياء اللّه وأعدائه ، ولا بين محبوبه ومبغوضه ، ولا بين المعروف والمنكر . وسوّى بين المتقين والفجار ، والطاعة والمعصية . بل ليس عنده في الحقيقة إلا طاعة . لاستواء الكل في الحقيقة التي هي المشيئة العامة الشاملة . ثم صاحب هذا المقام : يظن أنه صاحب الجمع والتوحيد . وأنه وصل إلى عين الحقيقة . وإنما وصل المسكين إلى الحقيقة الشاملة التي يدخل فيها إبليس وجنوده أجمعون ، وكلّ كافر ومشرك وفاجر . فإن هؤلاء كلهم تحت الحقيقة الكونية القدرية . فغاية صاحب هذا المشهد :